إسرائيل وإيران: حسابات الحرب وموازين القوى في الشرق الأوسط

  إسرائيل وإيران: حسابات الحرب وموازين القوى في الشرق الأوسط

الصراع بين إسرائيل وإيران


تشهد منطقة الشرق الأوسط توترًا غير مسبوق في الصراع بين إسرائيل وإيران، حيث تواصل المواجهة بينهما الهيمنة على الأحداث الإقليمية. تعكس هذه المواجهة تعقيدات جيوسياسية متشابكة تشمل مصالح دولية، حسابات استراتيجية، وضغوط داخلية تواجهها حكومات كلا البلدين. في ظل هذا التوتر المتصاعد، يبدو أن الصراع بين إسرائيل وإيران قد يصل إلى منعطف حاسم، حيث تحاول كل منهما ترسيخ نفوذها وتوجيه ضربة موجعة للطرف الآخر.

الانتكاسات الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر

منذ عملية "طوفان الأقصى" التي شنتها حماس ضد إسرائيل في 7 أكتوبر، تواجه إسرائيل سلسلة من الانتكاسات الكبرى التي تركت آثارًا واضحة على سياستها الداخلية والخارجية. أول هذه الانتكاسات هو الفشل في استعادة الرهائن الذين أخذتهم حماس، وهي قضية حساسة جدًا في الداخل الإسرائيلي. رفض الحكومة الإسرائيلية إبرام هدنة مع حماس لإطلاق سراح الرهائن أثار انتقادات حادة، خاصةً أن هناك رهائن لا يزالون على قيد الحياة، ومع ذلك يتم تجاهل أي حلول دبلوماسية.

ثانيًا، تعثر إسرائيل في استعادة السيطرة على شمال نهر الليطاني في لبنان، حيث لا يزال حزب الله يمثل تهديدًا كبيرًا. رغم مرور عام على العمليات العسكرية الإسرائيلية، إلا أن الجيش الإسرائيلي لم ينجح في تحقيق تقدم حاسم، وتكبد خسائر بشرية ومادية ثقيلة في هذه الجبهة.

أما الانتكاسة الثالثة، فهي التدهور الملحوظ في العلاقات الإسرائيلية الأمريكية. ورغم تعاطف الرئيس الأمريكي جو بايدن مع إسرائيل، والذي وصف نفسه بـ"الصهيوني"، إلا أن نتنياهو يفرض ضغوطًا كبيرة على الإدارة الأمريكية، ما أضر بالعلاقات بين الجانبين. نتنياهو استغل إعلان بايدن في يوليو الماضي عدم ترشحه للرئاسة لاستغلال هذه الفرصة في تنفيذ أجندته دون اعتبار كبير للتنسيق مع البيت الأبيض.

الانتكاسة الرابعة تتعلق بمأزق إسرائيل في قطاع غزة. فعلى الرغم من محاولاتها المتكررة للقضاء على قدرات حماس العسكرية، إلا أنها لا تزال تواجه مقاومة شرسة هناك، ولم تنجح في تحقيق أي حسم عسكري واضح. قطاع غزة بات يشكل مستنقعًا لإسرائيل، حيث تعيد حماس تسليح نفسها، وتستمر في تنظيم صفوفها مما يزيد من تعقيد الوضع.

الانتكاسة الخامسة هي التحركات الدولية ضد إسرائيل، وخاصة من المحكمة الجنائية الدولية التي تدرس إمكانية إصدار مذكرة توقيف بحق نتنياهو. ورغم الضغوط الأمريكية لعرقلة هذا القرار، إلا أن القضية لا تزال تشكل خطرًا على سمعة إسرائيل دوليًا، وخاصة في أوروبا، حيث تبدو نظرة الدول الأوروبية تجاه إسرائيل بعد 7 أكتوبر أكثر انتقادًا من أي وقت مضى.

فرصة الضربة الإسرائيلية لإيران: الحل الوحيد للخروج من الأزمة؟

في ظل هذه الانتكاسات المتتالية، يجد نتنياهو نفسه أمام فرصة قد لا تتكرر: توجيه ضربة عسكرية لإيران. يرى الكثير من المحللين أن هذه الضربة ستكون بمثابة محاولة لتغيير قواعد اللعبة بالكامل في الشرق الأوسط. فالكاتب السياسي مايكل هيرش يرى أن هذه هي الفرصة الذهبية لإسرائيل لتدمير البرنامج النووي الإيراني، خاصةً بعد أن نجحت إيران في تكريس نفوذها العسكري والسياسي في المنطقة، وأصبحت أكثر قدرة على تهديد إسرائيل بشكل مباشر أو عبر وكلائها مثل حزب الله في لبنان.

من وجهة نظر هيرش، الهجوم على إيران لن يكون فقط خطوة عسكرية، بل سيتجاوز ذلك ليكون حلاً سياسيًا داخليًا لنتنياهو، حيث يمكنه من خلاله استعادة شعبيته وإظهار قوته في مواجهة التهديدات الوجودية التي تواجه إسرائيل. قد يحظى هذا الهجوم بدعم واسع في الداخل الإسرائيلي، حيث يشهد المجتمع هناك تأييدًا كبيرًا لأي خطوة من شأنها "تأديب" إيران وإنهاء برنامجها النووي.

الدور الأمريكي: الموقف الحاسم في الصراع

رغم التصعيد المتزايد بين إسرائيل وإيران، يبقى الدور الأمريكي هو العامل الأهم في تحديد مسار الأحداث. العلاقات بين إدارة بايدن ونتنياهو متوترة، خاصة بعد أن شعر الأخير أن بايدن قد لا يكون مستعدًا لدعم أي تصعيد كبير في المنطقة. ولكن ما يجعل الأمر أكثر تعقيدًا هو عدم وضوح موقف كمالا هاريس، التي قد تخلف بايدن في الرئاسة، تجاه إيران.

نتنياهو يعول على عودة دونالد ترامب للبيت الأبيض، حيث يعتقد أن ترامب سيكون أكثر دعمًا لإسرائيل في أي مواجهة عسكرية مع إيران. ولكن حتى ذلك الحين، يحاول نتنياهو استخدام التهديد بالهجوم على إيران كوسيلة للضغط على الإدارة الأمريكية الحالية، ودفعها لاتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه طهران.

إيران: اللعب على حافة الهاوية

إيران من جانبها تدرك حجم الخطر الذي تشكله إسرائيل، ولكنها تلعب بحذر في هذه المرحلة. فهي تواصل تطوير برنامجها النووي بشكل تدريجي، وفي نفس الوقت توجه رسائل إلى الغرب بأنها لا تزال منفتحة على إحياء الاتفاق النووي. الرئيس الإيراني مسعود باشكان يرسل إشارات واضحة بأنه لا يمانع التفاوض حتى مع إدارة ترامب إذا عاد للسلطة، مما يعكس رغبة إيران في تفادي صدام شامل مع الغرب، وفي الوقت نفسه الحفاظ على قدراتها النووية.

الخلاصة: صراع لا نهاية له في الأفق

في نهاية المطاف، الصراع بين إسرائيل وإيران ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل هو جزء من صراع أكبر على النفوذ والسيطرة في الشرق الأوسط. وبينما تستعد إسرائيل للخطوة التالية في صراعها مع إيران، يبقى السؤال الرئيسي: هل ستتمكن الولايات المتحدة من منع اندلاع حرب إقليمية واسعة؟ أم أن نتنياهو سيغتنم الفرصة ويوجه ضربة حاسمة لإيران قد تغير موازين القوى في المنطقة؟

المشهد معقد واللاعبون كثر، لكن المؤكد هو أن الشرق الأوسط يظل منطقة تتأرجح بين الحرب والسلام، ولا تزال حسابات الحرب والسياسة تحكمها مصالح الأطراف المتصارعة على النفوذ.

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم